الأربعاء، 6 فبراير 2008

اليمن:على هامش حركة التسامح والتصالح .. من المستفيد من زرع الفتن بين أبناء الوطن الواحد؟

لا تشكل حركة التسامح والتصالح في جنوب الوطن "قلقا وإزعاجاً" للسلطات الحاكمة بالقدر الذي يحاول البعض إظهاره والتهويل منه. لقد باتت الحركة في صعودها وتصلبها مصدر إزعاج وقلق لقوى وأطراف مختلفة ليست بالضرورة أن تكون ظاهرة أو مشاركة في "الحكم" إلا أنها عملت بطريقة أو بأخرى- كما يؤكد مراقبون- خلال الفترة الماضية لدفع البلاد نحو التجزئة والتمزق مستغلة نقاط ضعف كثيرة على المسرح السياسي والاجتماعي.هذه "القوى والأطراف" التي أشارت إليها كتابات وتصريحات صحفية مختلفة خلال الأيام الفائتة– دون أن تسميها- متهمة إياها بمحاولة إثارة الفتنة من خلال شحن الأجواء والنفوس بالكراهية والعداء، فهي وإن أبدت مواقف "مؤيدة أو داعمة" تجاه ما يجري من حراك سلمي إلا أنها في الواقع لا تبدو سعيدة بما يكفي تجاه حركة التسامح والتصالح في الجنوب اليمني ذلك لأنها تدرك من ناحية مدى صعوبة العيش في ظل "دولة جنوبية جديدة" أبناؤها على قلب رجل واحد.ومن ناحية أخرى ينتابها قلق مماثل من تمدد حركة التسامح والتصالح صوب الشمال اليمني لذلك لا غرابة أن تستنفر (قواها) في الحد من تمدد الحركة شمالا في حال فشلت عن إجهاضها في جنوب الوطن وهذا ما بدأ واضحا وجليا بحسب مراقبين خلال الأيام الماضية من خلال العزف على أوتار الطائفية والشطرية الحساسة جدا عبر أدوات مختلفة.إن تمدد حركة التسامح والتصالح تجاه المحافظات الشمالية انطلاقا من جنوب الوطن سيسهم ليس فقط في إجهاض آمال تلك (القوى) التي أخذ يتحدث عنها اليوم وبكل وضوح عدد من الكتاب والصحفيين من أنها تعمل على "تغذية نزعة الكراهية والعداء بين أبناء الوطن الواحد" مستغلة حالة الاحتقان والتذمر وإنما سيقضي التسامح والتصالح "الجنوبي الشمالي" إذا جاز التعبير على جهود جبارة بذلت على مدى سنوات طويلة لتكريس الصورة السلبية في أذهان اليمنيين عن بعضهما البعض من خلال ممارسات خاطئة ومستفزة تعتمل هنا وهناك، وصولا إلى التصدع والانقسام والعودة إلى عهد البراميل البائد وربما جر البلاد إلى احتراب أهلي أو داخلي مجهول العواقب والنتائج.مما سبق هل لنا أن نجد رابط بين أولئك الذين يترصدون اليوم بعض "الأصوات" وربما "الهفوات" وأحيانا كثيرة يحاولون تخيلها في الواقع ثم العمل على تضخيمها وإخراجها في قالب ينمي الشعور بالعداء والكراهية بين اليمنيين ولا ينسون الظهور من خلال هذا القالب في هيئة الحريص على المصلحة العليا.
هل يربط هؤلاء رابط كما أسلفنا بتلك (القوى) التي استغلت هي الأخرى مساحة الحرية وربما الخلافات الداخلية و"تسامح القانون" لإبراز عضلاتها ونفث سمومها القاتلة على امتداد اليمن السعيد وإن كان "الجنوب اليمني" قد أخذ النصيب الأكبر من هذه السموم والممارسات فهذا يرجع لطبيعة ذلك الجزء من اليمن وأهميته وحساسيته المفرطة لاسيما منذ ما بعد صيف 1994 للميلاد.في الواقع إن كان هناك من رابط أو تناغم بينهما فهو كما يفهم: العمل ضد مصلحة اليمن الكلية ,اليمن الذي لا يقبل التجزئة في استغلال واضح "لطموح وطمع وجهل" البعض كما يبدو.لا أعتقد أن الرئيس (الصالح) أو دولة الدكتور مجور لا يعون مخاطر ما يجري على مستقبل البلاد وبالقدر نفسه من الاعتقاد ليس من مصلحة أي مسؤول تحمل المشاق والمتاعب من أجل وطنه أن يطلق "رصاصات الرحمة" على الشعب والوطن حين يصبح صاحب قرار نافذ.لا أستطيع البتة أن أتخيل مدى أن يكون ذلك واقعاً في المعادلة اليمنية لأسباب كثيرة. لكن هذا لا يعفينا من البحث في الأسباب التي أفرزت وما تزال تفرز نتائج مؤلمة وخطيرة على مسرح الأحداث. في هذا السياق وعلى الرغم من كل ما حدث إلا أن شعورا بالقدرة ما يزال قائما لدي في إقناع عدد غير قليل من المعتصمين والمحتجين في جنوب الوطن على "سوء الأوضاع" بوجود المئات إن لم يكن الآلاف من إخوانهم في المحافظات الشمالية يعيشون أوضاعا مشابهة وربما أكثر صعوبة غير أن شعورا بالعجز ينتابني في ممارسة الإقناع تجاه "المعتصمين والمحتجين" بأن ما أصابهم كان نتيجة أخطاء فردية ذلك لأنهم مقتنعون بصلابة أكثر مما مضى أن ما حدث ويحدث يعد عملا منظما ومدروسا بدليل أنه لم يطال الحقوق الشخصية فحسب وإنما الأرض والثروة والبنية الاقتصادية والتحتية حد قولهم. وفي تقديري أن كلاما من هذا النوع ينبغي أن يفتح بابا للبحث والدراسة الجادة أمام المهتمين بشئون اليمن ومصلحته العليا لا أن يفتح أبوابا للمهاترات وممارسة الابتزاز والارتزاق الرخيص فضلا عن تهم التخوين التي لا تخدم وحدة اليمن واستقراره.وإذا كان يحق لنا أن نتساءل الآن,فالسؤال: من هي "القوى والأطراف" المستفيدة مما حدث ويحدث وما سيحدث مستقبلا لا سمح الله, وبعبارة أدق من هي القوى الحقيقية التي تقاطعت مصالحها مع وحدة اليمن أولا ثم مع حركة تسامح وتصالح أبناء جنوب الوطن ثانيا؟ الوحدة بوصفها تنمية وعدالة ومساواة وحرية وتقدم .. والتسامح والتصالح بوصفها قيمة إنسانية راقية تجسد الوحدة وتدعم بقاءها.
بعد كل ما سبق كيف لنا أن نقرأ الآن تصريح وزير الإعلام حسن اللوزي الذي أبرقته وكالة الأنباء اليمنية "سبأ" قبل أيام للصحف الرسمية وتناقلته عدد من الصحف المستقلة والأهلية؟ هو حذر من تجاوزات بعض الصحف والكتاب لقانون الصحافة والمطبوعات مستغلين حرية التعبير لنشر كتابات تدعو إلى الفتنة والتمزق وإحياء النعرات المناطقية والمذهبية..الوزير اللوزي كان متابعا بدقة كما يبدو لحركة الإعلام الهادفة إلى حقن النفوس بالكراهية والعداء وصولا إلى إمكانية تفخيخها وتفجيرها كما لو كانت قنابل موقوتة تنتظرنا في الطريق لتمزقنا إربا.قال اللوزي: لوحظ خلال الفترة الأخيرة حدوث الكثير من مظاهر التمادي في الإساءة لحرية الصحافة والاستهتار بالمسؤولية التي توجبها حرية التعبير فتحولت تلك الكتابات إلى ظاهرة مقلقة من ظواهر التهديم للبناء الديمقراطي والوحدة الوطنية والسلم الاجتماعي ..إذن من الإنصاف القول أن شعورا بالمسئولية يبدو جليا في ثنايا كلمات اللوزي الفائتة فضلا عن خطر كبير لم يعد يتهدد أبناء جنوب الوطن فحسب بل اليمن بتكويناتها وتراكيبها "المعقدة" من قبل (قوى) لم يشر إليها اللوزي كما تحاشت العديد من الكتابات الإفصاح عنها ربما لإيجاد فضاء للتأمل أمام العقول المقصية لاسيما عقول "الشباب" بفعل الإعلام الهدام والباحث عن الإثارة فحسب, أشدد على الإعلام هنا بوصفه سلاح العصر الفعال قبل كل شيء.أعود لأسأل: لماذا لم تعد هذه الأساليب والظواهر تتهدد أبناء المحافظات الجنوبية بمفردهم؟ الإجابة حسب فهمي: أن الساحة في المحافظات الجنوبية التي تشهد اليوم زخما وحراكا سلميا متناميا هي أكثر الساحات المهيأة للاشتغال على التناقضات والخلافات والأخطاء المرتكبة من قبل جميع الأطراف ومنها يمكن تصدير الكراهية والعداء إلى مناطق وجهات مختلفة في الشمال اليمني والعكس وليس الاشتغال على التناقضات المتصلة بجنوب الوطن فقط ما دام الهدف هو "الوحدة اليمنية".ربما يسأل سائل:كيف تدفع هذه القوى نحو الفتنة والتمزق, وكيف أنها تقف ضد التسامح والتصالح في الجنوب اليمني؟ على اعتبار أن المعادلتين السابقتين لا تلتقيان حين يكون الهدف هو ضرب الوحدة اليمنية. أعتقد أن الإجابة على السؤال واضحة وهي: أن هذه القوى المتربصة لا تستطيع العيش في أي دولة أو منطقة بها ثروة مهما كانت وأيا كانت يسود بين أهلها وسكانها الوئام والتسامح والوحدة ذلك لأنها لن تحصل على شيء بالقدر الذي تطمح و تتطلع إليه لذلك فهي تسعى لإحداث التمزق والتفرق الدائم ليس على مستوى الدول فحسب وإنما على مستوى القبائل والقرى الصغيرة وفي أي مكان به مصلحة وغنيمة وفيد ولا يهمها أن يكون ذلك على حساب راحت الشعوب ورفاهيتها أو على الأقل قوتها اليومي والشواهد كثيرة. الغاية تبرر الوسيلة في عرفها دائما حتى وإن كان ذلك على حساب الأمن والاستقرار أيضا .
وبالعودة إلى التسامح والتصالح في جنوب الوطن يمكننا القول أولا: أن "صحوة الشعوب" أينما كانت تغضب الاستبداد دائما بوصفه منتج القطب الأوحد الطامع والمتسيد بالقوة والجبروت.وثانيا :مهما كانت رغبة هذه "القوى" في التطلع إلى تمزيق اليمن ما بين "شمال وجنوب" متفاوتة أو خفية إلا أنها في الأخير لا يمكن أن تقبل "بكيان أو دولة" موحدة في جنوب الوطن على عكس ما يتوهم ويحلم البعض لأسباب سبق وأن أشرنا إليها هذا إذا ما استطاعت الوصول باليمن إلى مأزق "الانفصال" وهذا بلا شك أمر يرفضه كل يمني صاحب عقل وضمير لذلك ينبغي على اليمنيين لاسيما أبناء المحافظات الجنوبية أن يعون بقدر من المسؤولية الخطر الداهم كما أنه علينا جميعا كيمنيين حينما نقرأ الواقع أن لا ننتزعه من محيطه وجسده العربي والقومي لنقرأه بمفردة لأن في ذلك قفز على الحقائق الثابتة والدامغة.وقبل أن أختم أطرح سؤالا أتمنى أن يكون مهماً ودافعا لإنتاج تساؤلات أخرى:إلى متى سيظل عجزنا فادحا وفاضحا في فهم وتفسير السياسات والألاعيب الإعلامية في ظل المد الإعلامي المتدفق والتي بلا شك دفعت الكثير منا إلى تصديق الوهم الكاذب دون سواه؟
.باسم الشعبي